الرؤية والمنطلقات
الجمعية العربية لدراسات الصراع (Arab Society for Conflict Studies – ASCS) هي جمعية علمية أكاديمية تسعى إلى المساهمة بالنهوض بحقل دراسات الصراع في العالم العربي، وتعزيز البحث العلمي والتعليم والإنتاج المعرفي المتخصص في قضايا الصراع. وتهدف الجمعية إلى الإسهام في إنتاج معرفة أصيلة ونقدية حول الصراعات في المنطقة، من حيث أسبابها وبنياتها وقضاياها ودينامياتها ومسارات تطورها، فضلاً عن المقاربات والآليات المتاحة لمنعها وإدارتها وتسويتها وتحويلها وبناء السلام في المجتمعات المتأثرة بها.
وتنطلق الجمعية من رؤية تقوم على ضرورة تطوير مدرسة عربية في دراسات الصراع تستفيد، من جهة، من التراكم النظري والمنهجي الذي أنتجه حقل دراسات الصراع عالمياً، ويستند، من جهة أخرى، إلى فهم معمق للخصوصيات التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية، وما راكمته هذه المجتمعات من خبرات ومفاهيم وممارسات وآليات محلية في التعامل مع الصراع والمصالحة والتسوية وبناء السلم الاجتماعي.
ولا تنطلق هذه الرؤية من الدعوة إلى إنشاء معرفة عربية منغلقة أو منفصلة عن الإنتاج العلمي العالمي، بل من اعتبار المعرفة الإنسانية عملية تراكمية وتفاعلية تتجاوز الحدود الثقافية والجغرافية. ومن هذا المنطلق، تسعى الجمعية إلى المساهمة في تطوير منظور عربي أصيل ونقدي في دراسات الصراع، قادر على التفاعل مع الأدبيات والنظريات العالمية، ونقدها وتطويرها وإثرائها انطلاقاً من التجربة التاريخية والاجتماعية والسياسية للمنطقة العربية.
لماذا جمعية عربية لدراسات الصراع؟
على الرغم من الحضور الكثيف للصراع في التاريخ العربي المعاصر، لا يزال هناك تفاوت واضح بين حجم الظاهرة وتعقيدها من جهة، وبين حجم البنية الأكاديمية والمؤسساتية المكرسة لدراستها من جهة أخرى. فما تزال المؤسسات والمراكز والبرامج الأكاديمية العربية المتخصصة في دراسات الصراع محدودة مقارنة بحجم الحاجة إلى إنتاج معرفة علمية متخصصة، وتطوير مناهج وأدوات بحثية قادرة على تفسير الصراعات العربية وتحليلها والمساهمة في التعامل معها.
وفي ظل هذه المحدودية للإنتاج المعرفي العربي في دراسات الصراع، فقد شغلت النظريات والمقاربات التي نشأت أساساً في سياقات غربية جانباً كبيراً من هذا الفراغ، وانتقل تأثيرها من المجال الأكاديمي إلى صناعة السياسات أيضاً دون مراعاة كافية لخصوصياتها التاريخية والثقافية والسياسية والاجتماعية. وقد أسهمت الفجوة بين هذه المقاربات وسياقات تطبيقها في تشخيص غير مكتمل لجذور بعض الصراعات وتبني تدخلات ساهمت أحياناً في تعقيدها وإعادة إنتاجها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز مساهمة الباحثين والمؤسسات العربية في إنتاج معرفة أصيلة ونقدية، لا تتعامل مع المنطقة بوصفها مجرد مجال لتطبيق نظريات أنتجت في سياقات أخرى، بل باعتبارها فضاءً لإنتاج النظرية والمفهوم والمنهج، فالخبرة العربية الغنية بأنماط الصراع والمقاومة والتعايش والوساطة والمصالحة والتسوية وبناء الدولة توفر أساساً معرفياً مهماً لتطوير مقاربات أكثر تجذراً في السياق، وفي الوقت ذاته للإسهام في إثراء حقل دراسات الصراع على المستوى العالمي.
مجتمع علمي عربي متعدد التخصصات
وتسعى الجمعية العربية لدراسات الصراع إلى بناء فضاء علمي ومهني يجمع الباحثين والأكاديميين والممارسين المهتمين بدراسات الصراع في العالم العربي وخارجه، وتعزيز التواصل والتعاون وتبادل المعرفة بينهم. وتنطلق الجمعية من الطبيعة البينية لحقل دراسات الصراع، ولذلك ترحب بالمساهمات القادمة من تخصصات متعددة، من بينها العلوم السياسية والعلاقات الدولية وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا والتاريخ والقانون والاقتصاد ودراسات الإعلام والاتصال والدراسات الثقافية وغيرها من الحقول ذات الصلة.
كما تسعى الجمعية إلى تشجيع البحث العلمي الرصين، ودعم الباحثات والباحثين، ولا سيما الأجيال الجديدة، وتطوير التعليم الأكاديمي في مجال دراسات الصراع، وتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات العلمية، وتنظيم المؤتمرات والندوات وورش العمل، وتطوير شبكات بحثية ومشروعات علمية مشتركة، وتشجيع النشر العلمي المتخصص باللغة العربية وباللغات العالمية.
ومن هذا المنطلق، تمثل الجمعية العربية لدراسات الصراع منصة أكاديمية تسعى إلى ربط إنتاج المعرفة، وبناء المجتمع العلمي، وتطوير التعليم، والانخراط مع الواقع، بما يسهم في فهم أعمق للصراعات التي تواجه المجتمعات العربية، وفي تطوير مقاربات أكثر فاعلية وعدالة واستدامة لمنعها وإدارتها وتسويتها وتحويلها.